المنجي بوسنينة
118
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
كان في أخلاق أبي الفرج وطباعه ما يشبه أن يكون تناقضا . فقد وصف بقذارة الملبس والمأكل ، وبسلاطة اللسان حتّى إن صديقه المهلبي الذي عاش في كنفه وأفاض عليه عطاياه لم ينج من سلاطة لسانه . وكان الناس يحذرون لسانه ، ويتقون هجاءه ، ويصبرون على مجالسته ومؤاكلته ومشاربته مع ما عرف به من قذارة الملبس والمأكل ، كان يهجو من يمنع عنه العطاء أو يمسّه بأذى ، وكان لاذع السخرية ، ولكنه من جانب آخر كان حسن المنادمة ، ظريف المجلس ، حلو الحديث . وعلى قسوته في هجاء الناس كان رفيقا بضروب الحيوان ، يألف صحبتها ، ويحنو عليها ، ويعالجها إذا اعتلت ، ويحزن أشد الحزن إذا نفقت ، وله أبيات جيدة في رثاء ديك كان له فمات . ومنها قوله [ من الكامل ] : أبكي إذا أبصرت ربعك موحشا * بتحنّن وتأسّف وشهيق ويزيدني حزنا لفقدك صادح * في منزل دان إليّ لصيق فتأسّفي أبدا عليك مواصل * بسواد ليل أو بياض شروق كان أبو الفرج غزير المعارف ، متعدّد المواهب ، شهد الأدباء والعلماء بسعة آفاقه المعرفية ، فقد قال فيه القاضي التنوخي المحسن بن علي ( ت 384 ه ) في كتابه « نشوار المحاضرة » : « كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة ما لم أر قط من يحفظ مثله ، ويحفظ ما دون ذلك من علوم أخر ، منها اللغة والنحو والخرافات والمغازي والسير ، ومن آلة المنادمة شيئا مثل علم الجوارح والبيطرة ونتف من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك ، وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان ظرفاء الشعراء » . وقال فيه ياقوت : « أبو الفرج الأصفهاني العلامة النسّابة الإخباري ، الجامع بين سعة الرواية والحذق في الدراية ، لا أعلم لأحد أحسن من تصانيفه في فنّها ، وحسن استيعاب ما يتصدّى لجمعه ، وكان مع ذلك شاعرا مجيدا » . وكان أبو الفرج بصيرا بنقد الشعر ومواطن الصحة والإجادة فيه . في أسلوبه رشاقة ، وعبارته أنيقة ، وهذه الصفات تتجلّى في مؤلفاته ، وفي كتاب الأغاني خاصة . وإلى ذلك عرف أبو الفرج بقوة الحافظة ، وحضور البديهة ، وتوقّد الذهن . على أن قدراته هذه أصابها الوهن في أواخر أيامه لإصابته بالفالج . يذكر جلّ من ترجموا له أنه توفي سنة 356 ه ، إلّا صاحب الفهرست فهو يذكر أن وفاته كانت سنة نيف وستين وثلاثمائة . آثاره ترك أبو الفرج ما يزيد على ثلاثين مصنفا ، فقد معظمها ، وقد ذكر ابن النديم أنه كان يعول في تصنيفه على الكتب المنسوبة الخطوط وغيرها من الأصول الجياد . فمن أشهر مصنفاته : 1 - الأغاني ؛ 2 - الإماء الشواعر ؛ 3 - المماليك القيان ؛ 4 - كتاب الديارات ؛ 5 - صفة هارون ؛ 6 - نسب بني عبد شمس ؛ 7 - أخبار القيان ؛ 8 - مقاتل الطالبيين ؛ 9 - تفضيل ذي